الجمعة ، حيث لم يكن على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِواه.
وما ذكره ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من أصحابِهم ، أن هذا الأذانَ الذي يمنع
البيعَ لم يكن على عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أحدثه هشامُ بنُ عبدِ الملكِ ، فقد بيَّن ابنُ عبدِ البرِّ أن هذا جهل من قائلهِ ؛ لعدم معرفته بالسنةِ والآثارِ.
فإن قال هذا الجاهلُ: إنه لم يكنْ أذانٌ بالكلِّية في الجمعةِ ، فقد باهتَ.
ويكذِّبهُ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا)
وإنْ زعمَ أن الأذانَ الذي كان في عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ وعمرَ هو الأذانُ الأولُ الذي قبلَ خروج الإمامِ ، فقد أبطلَ ، ويكذبه هذا الحديثُ واجتماعُ العلماءِ على ذلكَ.
وقولُه في هذه الرواية:"أولُه إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ"، معناه: أن هذا
الأذانَ كانَ هو الأولَ ، ثم تليه الإقامةُ ، وتسُمَّى: أذانًا ، كما في الحديثِ
المشهورِ:"بين كلّ أذانينِ صلاة."
وخرَّجَه النسائي من روايةِ المعتمرِ ، عن أبيه ، عن الزهريِّ ، ولفظُه: كان
بلالاً يؤذن إذا جلسَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - على المنبرِ يومَ الجمعةِ ، فإذا نزلَ أقامَ ، ثم كان كذلك في زمنِ أبي بكرٍ وعمرَ ، فلما زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ صار هذا الثالثُ هو الأولَ ، وصار الذي بين يدي الإمامِ هو الثاني.
وقد خرج أبو داود هذا الحديثَ من طريق ابن إسحاقَ ، عنِ الزهريِّ.
عن السائبِ ، قال: كان يؤذَّن بين يديْ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا جلسَ على المنبرِ يومَ الجمعةِ على بابِ المسجدِ ، وأبي بكرٍ وعمرَ.
ففي هذه الروايةِ: زيادةٌ: أنَّ هذا الأذانَ لم يكنْ في نفسِ المسجدِ ، بل
على بابهِ ، بحيث يسمعه مَنْ كان في المسجدِ ومَن كان خارجَ المسجدِ ، ليترك
أهلُ الأسواقِ البيعَ ويسرعُوا إلى السعي إلى المسجدِ.