وقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} .
وهذه الآية مكية.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلّم - بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا - والله أعلم - قصر فرضه عن الأعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئاً مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتنى به، ولا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله - عز وجل - {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} .
ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق.
(فصل)
والفساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقاً، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل.
فلا ينبغي له أن يذل نفسه ويعز فاسقاً، كما لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويعز كافراً، ولأن العدل إذا لاين فاسقاً لا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق العدالة لا في حق نفسه، وليس له هذا كما أن المسلم إذا لاين كافراً، لا عن عذر أو ضرورة إلا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق الإسلام لا في حق نفسه، ولم يجز ذلك له ولا وسعه.
ومن ملاينة العدل الفاسق أن يراه مجاهراً بفسقه وهو يقدر على ردعه فلا يردعه لحرمة عنده، أنه يرعاها له.
وهذا كثير، لأنه بيع الدين بالدنيا ورفض الأمانة، ودخول في جملة أهل الخيانة، والله - عز وجل - يقول: {لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، وما بقي من القول في هذا فسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(فصل)
فأما ما جاء عن بعض المتقدمين أن المسلم يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني، فيقول له: أعظم الله أجرك وخلف عليك.
ويقول للنصراني إذا مات ابنه: أخلف الله عليك ولا نقص عددك.
فإن وجه قوله في تعزية المسلم بالأب النصراني بين، لأنه إن لم يحزن عليه حزن له، وحزنه له إيمان بالله عز وجل.
فيجوز أن يقال له: أعظم الله أجرك لهذا.
ويقال: خلف الله عليك.
فمعناه: رزقك الله ولداً مكان الذي سلبك، ولا نقص لك عدداً.
أي فعل بك ما سألت فلا ينقص عددك بالذي أخذه.
وهذا ليس دعاء أن يكثر الكفار، لأن وفور عدده ليس يكون بأن يكون ولده على دينه.