{إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء} أي: إن يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة ، ومنه المثاقفة ، وهي طلب مصادفة الغرّة في المسابقة ، وقيل المعنى: إن يظفروا بكم ، ويتمكنوا منكم ، والمعنيان متقاربان {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء} أي: يبسطوا إليكم أيديهم بالضرب ونحوه ، وألسنتهم بالشتم ونحوه {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} هذا معطوف على جواب الشرط أو على جملة الشرط والجزاء ، ورجح هذا أبو حيان ، والمعنى: أنهم تمنوا ارتدادهم ، وودّوا رجوعهم إلى الكفر.
{لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم وَلاَ أولادكم} أي: لا تنفعكم القرابات على عمومها ، ولا الأولاد ، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم ، والحنوّ عليهم ، والمعنى: أن هؤلاء لا ينفعونكم حتى توالوا الكفار لأجلهم ، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة ، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار ، وترك موالاتهم ، وجملة: {يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم ومعنى {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} : يفرّق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة ، وأهل معصيته النار.
وقيل: المراد بالفصل بينهم أنه يفرّ كلّ منهم من الآخر من شدّة الهول ، كما في قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ} الآية [عبس: 34] الآية.
قيل: ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله ، أي: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه.
ويبتدأ بقوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} والأولى أن يتعلق بما بعده ، كما ذكرنا {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ، فهو مجازيكم على ذلك.
قرأ الجمهور: {يفصل} بضم الياء ، وتخفيف الفاء ، وفتح الصاد مبنياً للمفعول ، واختار هذه القراءة أبو عبيدة.