فالله سبحانه وتعالى قد خلق جميع الكائنات؛ إنسها، وجنها، وملائكتها، وحيوانها، وجمادها، ونباتها، وغيرها من الكائنات لعبادته - سبحانه وتعالى - وفطرها على توحيده، والاعتراف بإلوهيته، والإقرار بفقرها وحاجتها وخضوعها وصمودِها له عزَّ وجل.
فكل هذه الكائنات تقوم بعبادة الله عزَّ وجل، ولا يُخِلُّ بذلك إلا الإنسان المعاند الزائغ عن شرع الله - سبحانه وتعالى - المخالف لنظام هذا الكون المحكم البديع؛ الذي ما قام إلا على
عبودية الله، هذا وتختلف العبوديات من مخلوق إلى مخلوق قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) } [النحل: 49] .
قال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة.
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه؛ الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة. وقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] .
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد لعظمته كل شيء؛ طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به، وقال الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وقال: يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره.