والآخر: أن يكون مرفوعا بالابتداء ، أي: مَكَرُّ الليل والنهار صَدَّنا.
فإن قيل: أفهذا تراجع1 عن قولهم لهم: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} ؟ قيل: لا ، ليس بانصراف عن التظلم منهم ، وذلك أنه وصله بقوله: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ} أي: فكرور الليل والنهار علينا - على إغوائكم إيانا - هو الذي أصارنا إلى النار. وهذا كقول الرجل لصاحبه: أهلكني والله! فيقول وكيف ذلك؟ فيقول: في جوابه: مضى أكثر النهار وأنت تضربني ؛ فيفسره بتقضي الزمان على إساءته إليه.
فإن شئت جعلت"إذ تأمروننا"متعلقة بنفس الكرور ، أي: كرورهما في هذا الوقت وإن شئت جعلته حالا من الكرور ، أي: كرورهما كائنا في هذا الوقت ؛ فنجعل طرف النهار3 حالا من الحدث ، كما تجعله خبرا عنه في نحو قولك: قيامك يومَ الجمعة ؛ إذ كانت الحال ضربا من الخبر. ومثله من الحال قولك: عجبت من قيامك بومَ الجمعة ، تعلق الظرف بمحذوف ، أي من قيامك كائنا في يوم الجمعة.
وعلى نحو منه [131و] قراءة قتادة:"بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"، فالظرف هنا صفة للحدث ، أي: مكر كائن في الليل والنهار. وإن شئت علقتهما بنفس"مكر"، كقولك: عجبتُ لَكَ4 من ضربٍ زيدًا ، وكقول الله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} 5.
وأما"مَكَرَّ"، بالنصب فعلى الظرف ، كقولك: زرتُكَ خفوقَ النجمِ ، وصياحَ الدجاجِ وهو معلق بفعل محذوف ، أي: صدَدْتُمُونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال.
فإن قيل: فما معنى دخول"بل"هنا وإنما هو جواب الاستفهام؟ وأنت لا تقول لمن قال لك: أزيدٌ عندك؟: بل هو عندي وإنما تقول: نعم ، أولا. قيل: الكلام محمول على معناه ، وذلك أن قولهم: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} معناه الإنكار له ، والرد عليهم في قول المستضعفين لهم: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} ، فكأنهم قالوا لهم في الجواب: ما صددناكم ، فردوه ثانيا عليهم ، فقالوا: بل صدنا تصرم الزمان علينا وأنتم تأمروننا أن نكفر بالله. وقد كثر عنهم تأول معنى النفي وإن لم يكن6 ظاهرا إلى بادي اللفظ ، قال الله تعالى: قُل
1 في الأصل: يراجع ، تحريف.
2 في ك: الزمن.
3 في ك: الزمان.
4 لك ، ومن ضرب يتعلقان بعجبت ، وهو ليس بمصدر كما لا يخفى. كأنه يريد أن المصدر حين يتعلق به الظرف أو الجار والمجرور يكون مثل الفعل ، فلا يكون الظرف أو الجار والمجرور صفة له وقد يكون"لك"بعد ضرب ، فيتعلق به ، أو يكون صفة له ، وتتشابه الأمثلة بذلك.
5 سورة البلد: 14: 15.
6 سقطت"يكن"في ك.