وللزمخشري صاحب الكشاف رأْي جدير بالتسجيل والتنويه به؛ فقد قال: والمراد بالأَمانة الطاعة؛ لأَنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأَداء؛ وعرضها على الجمادات وإباؤُها وإشفاقها مجاز، قال: إن هذه الأَجرام العظام من السماوات والأَرض والجبال قد انقادت لأمر الله - عز وعلا - انقياد مثلها، وهو ما يتأَتى من الجمادات وأَطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادًا أو تكوينًا وتسوية على هيئات مختلفة، وأَشكال متنوعة كما قال تعالى: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} وأَما الإِنسان فلم يكن حاله فيما يصح منه من الطاعات، ويليق به من الانقياد لأَوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع وأما حمل الأَمانة فمن قولك: فلان حامل الأَمانة ومحتمل لها، تريد أَنه لم يؤَدها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته، وتخرج عن عهدته؛ لأَن الأَمانة كأَنها راكبة للمؤتمن عليها، وهو حاملها، أَلا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أَداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملًا لها إلى أَن قال: فمعنى {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} ، {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} فأبين إلاَّ أن يؤدينها، وأَبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤَديها، ثم وصفه بالظلم لكونه تاركًا لأَداء الأَمانة، وبالجهل لإِخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أَداؤها. اهـ.
ورأْي الزمخشري هذا يلتقي مع ما قبله في أن كلا منهما يدين ويؤثِّم ويتوعد من يضيِّع الأَمانة ولا يقوم بحقها.