لقمان 19 ليس ذماً لصوت الحمار لأن صوت الحمار جعله الله عالياً هكذا لأنه يعيش في بادية، وغالباً ما يستتر خلف مرتفع أو حجر أو شجرة أو يبتعد مسافة طويلة عن صاحبه، فجاء صوته بهذه الهيئة ليدل عليه ويُرشد صاحبه إلى مكانه. إذن فالصوت العالي يكون مُنكراً إذا لم يكُنْ له مهمة، وإذا استُعمل في غير موضعه، والشيء قد يكون مختلفاً، لكن مهمته تكون متحدة. مثلاً، الدم الذي به حياة الإنسان إذا تجلط داخل أوعيته يؤدي إلى شلل العضو، ويحتاج إلى أدوية تعيد له سيولته، وفي المقابل إذا زادت سيولة الدم أدى ذلك إلى نزيف، وإذا حدث جُرْح مثلاً لا يندمل لأن الدم لا يتجلط ولا يسدّ أماكن خروجه، إذن تجلُّط الدم مطلوب خارج الأوعية، وسيولة الدم مطلوبة داخل الأوعية. إذن لكل منهما حكمة في مكانه. ومعنى {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} الأحزاب 72 أي خِفْنَ وقت التحمل مخافة أنْ يأتي وقت الأداء فلا يؤدي {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ..} الأحزاب 72 لما عنده من فكر واختيار ومحاولة، لكن قد يأتي فكره بالضرر. وقلنا إن الإنسان يأكل مثلاً حتى يشبع، ثم يُعرض عليه الحلو والبارد، فتمتلئ بطنه حتى التخمة وحتى المرض، في حين أن الحمار أو الجاموسة مثلاً لا تأكل عوداً واحداً فوق الشِّبع لأنها محكومة بالغريزة التي لا تعرف التصرف في الأشياء، وميزة الحيوان في هذه الغريزة وفي عدم تصرفه. لذلك وصف الإنسان هنا بأنه {كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الأحزاب 72 وهذه صيغة فَعُول الدالة على المبالغة في الظلم والمبالغة في الجهل. وقد يُعقل الظلم للغير لأن الظالم يظن أنه يستفيد منه، أمّا أنْ يظلم المرءُ نفسه بأنْ يمنعها خيراً، أو يجلب لها ضُرًّا، فهذا ما لا يُعقل ودليل الغباء. فحين يتكاسل عن الطاعة لشهوة نفس موقوتة يمنعها خيراً باقياً، ومتعة لا حدودَ لها، فهو عدو لنفسه لذلك قال العلماء إن نفس الإنسان هي أعدى أعدائه لأن العدو إنْ كان من خارجك تستطيع أنْ تراه، وأنْ تحتاط له، أمّا إنْ كان من داخلك فأمره شاقّ. وقد بيَّن الحق سبحانه أن أعظم الظلم الشرك بالله، فقال سبحانه
{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}