وهذان الموضعان حكاية عن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلماذا لم تأت أداة النداء إلا من محمد في نداء ربه ؟
قالوا: لأن سيدنا رسول الله كان شديد الحرص على هداية قومه ونصرة دعوته ، حتى خاطبه ربه بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) } [الشعراء]
وقد مر رسول الله بمواقف صعبة لدرجة جعلته يستبطئ نصر الله ، فالله تعالى أنزل عليه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... (51) } [غافر] مع ذلك زلزل رسول الله والذين آمنوا معه كما قال سبحانه: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ... (214) } [البقرة] فخاف - صلى الله عليه وسلم - أن يكون بعد عن ربه ، وهذا البعد ما هو إلا مظنة من رسول الله ، أو اتهام للنفس.
فلما ذهب - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه ويشتكى إليه أن قومه هجروا القرآن نادى ربه من منزلة البعيد ، فقال: (يارب) وكأنه - صلى الله عليه وسلم - ظن في نفسه التقصير أو الفشل في مهمته ورأى أن ذلك يبعده عن ربه ، لكن أنصفه ربه وأكد نداءه ، بل وأقسم به ، فقال الحق. سبحانه: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) } [الزخرف]
أي: أقسم بقولك يا محمد: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) } [الفرقان] والحق سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء ، يقسم بالملائكه وبالجماد ، يقسم بالنبات ، لكن الحق - سبحانه وتعالي - لم يقسم بأحد من الخلق إلا برسول الله في قوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر]
أي: وتعميرك ، أو وحياتك يا محمد.