ثانيهما: أنَّ التبرك هو التماس الخير العاجل كما سبق بيانه.
ثانيًا: التبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم -.
بعد إثبات الفرق بين التوسل والتبرك نعلم أن آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُتوسل بها إلى الله تعالى، وإنما يُتبرك بها فحسب، أي يُرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي كما سبق بيانه. وإننا نرى أن التوسل بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مشروع البتة. وأن من الافتراء على الصحابة - رضي الله عنهم - عليهم الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف رأينا فعليه الدليل بأن يثبت أن الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلا: اللهم ببصاق نبيك
اشف مرضانا، أو اللهم ببول نبيك أو غائطه أجرنا من هذا. ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره - صلى الله عليه وسلم - ولا ننكره خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا.
ثالثا: العلة من ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة يتبركون بآثاره، ويتمسحون به.
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره - صلى الله عليه وسلم - والتمسح بها وذلك لغرض مهم، وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش، وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه؛ إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تلك الغزوة رغب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله - عَزَّ وَجَلَّ - وأجدى وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي.
عن عبد الرحمن بن أبي قراد له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ يومًا فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث وليؤد أمانته إذا أؤتمن وليحسن جوار من جاوره".
الوجه الرابع: تكميل الله تعالى له المحاسن خَلْقًا وخُلْقًا، وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقًا.