وفي حديث عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ المسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ: ( ... ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَالله مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ) .
وعن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
وقد علق الشاطبي على مثل هذه الأحاديث فقال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يتبرك بفضل وضوئه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ولكن هناك إشكال يبين أن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال الشاطبي: وهو أن الصحابة رضى الله عنهم بعد موته - عَلَيْهِ السَّلَام - لم يقع من أحد منهم شئ من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، فلم يثبت ذلك لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان ولا لعلي، وهو أفضل الأمة بعده - صلى الله عليه وسلم -.
لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ: بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - وخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ: وَتَنويِهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهاهم عن ذلك مثل النخامة وما شابه ذلك، ولكن تركهم لأن الموقف كان يستدعي ذلك، إظهارًا لمحبته أمام العدو بقصد ليعلم كم هي الصفوف هاتفة خلف نبيها، وكم هي لا تفرط في أيّ شيء يتعلق بنبيها حتى نخامته وماء وضوئه - صلى الله عليه وسلم -.