فقال عزَّ وجلَّ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1: 4] ، بدأ الله السورة بالقسم، فكان على ماذا؟ على المقسم عليه وهو قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} .
يقول ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو
العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله سبحانه وتعالى رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو - صلى الله عليه وسلم - وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } أي: إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد: عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين: رَبِيعة ومُضَر"، فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال:"إنما أقول ما أقول".
وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق".
وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا أقول إلا حقًّا". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال:"إني لا أقول إلا حقًّا".