ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) إنما نزل في زينب بنت جحش؛ يذكرون أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه، وكان مولى له، فخطب له زينب بنت جحش، فقالت زينب: إني لا أرضاه لنفسي وأنا من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أميمة بنت عبد المطلب - فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"قد رضيته لك، فزوجي نفسك منه"فأبت ذلك؛ فنزل قوله فيها: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، لكن إذا كان على ما يذكرون من الخطبة لها؛ فلا يحتمل أن يجبرها على النكاح، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"ليس للولي مع الثيب أمر"، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"البكر تستأمر في نفسها، والثيب تشاور"، ثم تجيء الآية في جبرها على النكاح ممن لا ترضاه إلا أن يكون على الأمر من اللَّه - تعالى - ومن رسوله، فعند ذلك لا يكون لها التخير في ذلك؛ لأن اللَّه له أن يأمر من شاء على النكاح ممن شاء، وله الحكم بالنكاح لمن شاء على من شاء، وليس لهم الخيرة في ذلك، فأما بالخطبة نفسها دون الأمر والحكم من اللَّه لا جبر في ذلك؛ ألا ترى أنه ذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما خطب أم سلمة، فقالت: إن أوليائي غيب، فقال:"ليس أحد من أوليائك لا يرضى بي"أو كلام نحوه خطبها، ولم يجبرها على ذلك؛ فعلى ذلك زينب؛ إلا أن يكون على الأمر أو الحكم؛ على ما ذكرنا.