ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} مخالفة حكم الله سبحانه، ورضى رسوله، فهو قيد خيريتهن، وبيان أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا باتصالهن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
والمعنى: أنه يوجد فيكن من التمييز ما لا يوجد في غيركن، وهو كونكن أمهات المؤمنين، وزوجات خير المرسلين، ونزول القرآن فيكن. فكما أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس كأحد من الرجال، كما قال عليه السلام:"لست كأحدكم"، كذلك زوجاته اللاتي تشرفن به.
قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، بل أنتن أكرم عليَّ، وثوابكن أعظم لديَّ. انتهى. وقد وقعت منهن - ولله الحمد - التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وبعد مماته. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن اتقيتن .. فلستن كأحد من النساء. وقيل: إن جوابه: {فَلَا تَخْضَعْنَ} ، والأول أولى؛ لدلالة الجواب المحذوف على نفي المساواة التي يفيدها التشبيه، وعلى هذا: فجملة {فَلَا تَخْضَعْنَ} مستأنفة؛ أي: فلا تخضعن ولا تلنَّ {بِالْقَوْلِ} عند مخاطبة الناس؛ أي: لا تجبن بقولكن قولًا خاضعًا لينًا، كما تفعله المريبات والمُطمعات من النساء المومسات، فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة.
والخضوع: التطامن والتواضع والسكون واللين في الكلام، والمرأة مندوبة إلى الغلظة والخشونة في المقالة إذا خاطبت الأجانب؛ لقطع الأطماع، فإذا أتى الرجل باب إنسان وهو غائب، فلا يجوز للمرأة أن تلين بالقول معه، وترقق الكلام له، فإنه يهيج الشهوة، ويورث الطمع، كما قال: {فَيَطْمَعَ} بالنصب، لوقوعه في جواب النهي؛ أي: فيطمع فيكن، ويقصد الزنا بكن {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} ؛ أي: نفاق، أو محبة فجور، أو شهوة.