قيل: وهذا التوجيه أولى من سابقه، على القول بفضل آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران على نساء العالمين جميعًا، فإنه لا يمنع من تفضيل جماعة زوجات الرسول على كل جماعة سواهن، بخلاف الأَول فإنه يتعارض مع تفضيل كِلْتَيْهمَا على كل واحدة بن نساء العالمين، وفي جملتهن زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى الآية مجتمعة: يا نساءَ النبي: ليست جماعتكن مثل سائر جماعات النساء إن اتقيتن مخالفة حكم الله ورضا رسوله، فلا يكن قولكن لينا كما كانت حال نساءِ العرب حين مكالمة الرجال بترخيم الصوت، ولينه، بل يكون قولكن جزلا، وكلامكن فصلا، حتى لا يطمع من في قلبه مرض الفجور والفسوق وقلن قولًا معروفًا بالصواب في عرف الشريعة وكرام النفوس.
وبالجملة: فالمرأَة تندب - إذا خاطبت الأَجانب والمحرمين عليها بالمصاهرة وغيرها - إلى الجِدِّ في القول من غير رفع صوت، فإن المرأة مأْمورة بخفض الكلام والجد فيه.
33 - {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} :
أمر الله - تعالى - نساءَ نبيه أَن يقررن ويلزمن بيوتهن ونهاهن عن التبرج، وهو كما قال مجاهد وقتادة وابن أبي نجيح: أَن تلقى المرأَة خمارها على رأَسها، وَلا تشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وقال أبو عبيدة: التبرج أَن تبدى المرأة من محاسنها ما تستدعى به شهوة الرجال، وأَصله كما قال أبو حيان: من البَرَج وهو سعة العين وحسنها، ويقال: طعنة بَرْجاءُ، أي: واسعة.
ولهذا قال الليث في معناه: تبرجت المرأَة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها، ويُرَى مع ذلك من عينها حُسْنُ نظر.