واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد الذي لا ينبغي العدول عنه ، أن الخطاب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} [الحديد: 28] الآية. عام لجميع هذه الأمة كما ترى ، وليس في خصوص مؤمني أهل الكتاب ، كما في آية القصص المذكورة آنفاً ، وكونه عاماً هو التحقيق إن شاء الله ، لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف ، فما رواه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل الكتاب كما في آية القصص ، خلاف ظاهر القرآن ، فلا يصح الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك ، وعتبة بن أبي حكيم ، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري.
والصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا ، لأن المعروف عند أهل العلم: أن ظاهر القرآن المتبادر منه ، لا يجوز العدول عنه ، إلا لدليل يجب الرجوع إليه.
وقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ، أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق الأمة: {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي ضعفين وزادهم {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28] ففضلهم بالنور والمغفرة اه نقله عنه ابن جرير ، وابن كثير. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} .
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول ، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة ، وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك.