أي استقبلتنا باليد ، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضلهن على التقوى ولا علق نهيهن عن الخضوع بها إذ هن متقيات لله تعالى في أنفسهن ، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى ، وفيه إن اتقى بمعنى استقبل وإن كان صحيحاً لغة ، وقد ورد في القرآن كثيراً كقوله تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب} [الزمر: 4 2] إلا أنه لا يتأتى ههنا لأنه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية ، كقوله سبحانه: {بِوَجْهِهِ} وقول النابغة باليد وما استدل به أمره سهل ، وظاهر عبارة الكشاف اختيار كون {إِنِ اتقيتن} شرطاً جوابه فلا تخضعن ، وفسر {إِنِ اتقيتن} بأن أردتن التقوى وإن كنتن متقيات مشيراً بذلك إلى أنه لا بد من تجوز في الكلام لأن الواقع أن المخاطبات متقيات فأما أن يكون المقصود الأولى المبالغة في النهي فيفسر بأن أردتن التقوى ، وإما أن يكون المقصود التهييج والإلهاب ، فيفسر بأن كنتن متقيات فليس في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما توهم ، وقد قرر ذلك في الكشف ، ومعنى لا تخضعن بالقول لا تجبن بقولكن خاضعاً أي لينا خنثا على سنن كلام المريبات والمومسات ، وحاصله لا تلن الكلام ولا ترققنه ، وهذا على ما قيل في غير مخاطبة الزوج ونحوه كمخاطبة الأجانب وإن كن محرمات عليهم على التأبيد.
روى عن بعض أمهات المؤمنين أنها كانت تضع يدها على فمها إذا كلمت أجنبياً تغير صوتها بذلك خوفاً من أن يسمع رخيماً ليناً ، وعد إغلاظ القول لغير الزوج من جملة محاسن خصال النساء جاهلية وإسلاماً ، كما عد منها بخلهن بالمال وجبنهن ، وما وقع في الشعر من مدح العشيقة برخامة الصوت وحسن الحديث ولين الكلام فمن باب السفه كما لا يخفى.
وعن الحسن أن المعنى لا تكلمن بالرفث ، وهو كما ترى {فَيَطْمَعَ الذي فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فجور وزنا ، وبذلك فسره ابن عباس وأنشد قول الأعشى: