وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب ، ولكن تعلق الناس بها ، وشكَوْا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ، ورجَوْا بركتها ، وطمِعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق ، وظنّت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس} [النساء: 114] ، وقوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] .
والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى ؛ حُرّ أو عبد.
فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح ، ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان ، فعمَد بعضهم إلى الجمل فعرقبه ، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى عنها ، فاحتملها إلى البصرة ، وخرجت في ثلاثين امرأة ، قَرَنَهُنّ عليٌّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة بَرَّةً تقيّة مجتهدة ، مصيبة مثابة فيما تأوّلت ، مأجورة فيما فعلت ؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب.
وقد تقدّم في"النحل"اسم هذا الجمل ، وبه يعرف ذلك اليوم.
قوله تعالى: {وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ} أي فيما أمر ونهى.
{إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت} قال الزجاج: قيل يراد به نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقيل: يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته ؛ على ما يأتي بيانه بعدُ.
و"أَهْلَ الْبَيْتِ"نصب على المدح.
قال: وإن شئت على البدل.
قال: ويجوز الرفع والخفض.
قال النحاس: إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد ، قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب ؛ لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين.
{وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} مصدر فيه معنى التوكيد.