الثالثة: ذكر الثعلبيّ وغيره: أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تَبُلّ خمارها.
وذكر أن سَوْدة قيل لها: لم لا تحجّين ولا تَعْتَمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت ، وأمرني الله أن أقرّ في بيتي.
قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها.
رضوان لله عليها! قال ابن العربي: لقد دخلت نَيِّفاً على ألف قرية ، فما رأيت نساء أصْون عيالاً ولا أعفّ نساء من نساء نابلس ، التي رُمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم بالنار ؛ فإن أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهاراً إلا يوم الجمعة فإنهنّ يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهنَّ ، فإذا قُضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهنّ لم تقع عيني على واحدة منهنّ إلى الجمعة الأخرى.
وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهنّ حتى استشهدن فيه.
الرابعة: قال ابن عطية: بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل ، وحينئذٍ قال لها عمّار: إن الله قد أمرك أن تَقرِّي في بيتك.
قال ابن العربي: تعلق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا: إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش ، وتباشر الحروب ، وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها.
قالوا: ولقد حُصر عثمان ، فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقرّبت لتخرج إلى مكة ؛ فقال لها مَرْوان: أقيمي هنا يا أمّ المؤمنين ، وردّي هؤلاء الرّعاع ؛ فإن الإصلاح بين الناس خير من حَجّك.
قال ابن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن عائشة رضي الله عنها ، نذرت الحج قبل الفتنة ، فلم تر التخلف عن نذرها ؛ ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صواباً لها.