واعلم أن معنى كونه نور السماوات والأرض تعرفه بالنسبة إلى النور الظاهر البصري. فإذا رأيت أنوار الربيع وخضرته مثلا في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان. وربما ظننت أنك لست ترى مع الألوان غيرها ، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة. ولقد أصر على هذا قوم فزعموا أن النور لا معنى له ، وأنه ليس مع الألوان غير الألوان ، فأنكروا وجود النور مع أنه أظهر الأشياء ، وكيف لا وبه تظهر الأشياء ، وهو الذي يبصر في نفسه ويبصر به غيره كما سبق. لكن عند غروب الشمس وغيبة السراج ووقوع الظل أدركوا تفرقة ضرورية بين محل الظل وبين موقع الضياء فاعترفوا بأن النور معنى وراء الألوان يدرك مع الألوان حتى كأنه لشدة انجلائه لا يدرك ، ولشدة ظهوره يخفى. وقد يكون الظهور سبب الخفاء. والشيء إذا جاوز حده انعكس علي ضده.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن أرباب البصائر ما رأوا شيئا إلا رأوا الله معه. وربما زاد على هذا بعضهم فقال)ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله (لأن منهم من يرى الأشياء به ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء. وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى:(أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنّهُ عَلى كُلِّ شيءٍ شَهيدٌ) ؛ وعلى الثاني الإشارة بقوله تعالى: (سَنُريهِم آَياتِنا في الآَفاقِ) فالأَول صاحب مشاهدة ، والثاني صاحب الاستدلال عليه ، والأول درجة الصديقين ، والثاني درجة العلماء الراسخين ، وليس بعدهما إلا درجة الغافلين المحجوبين.