وإذ قد عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر ، فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله. فهو مع كل شيء لا يفارقه ثم يظهر كل شيء ، كما أن النور مع كل شيء وبه يظهر. ولكن بقى ها هنا تفاوت: وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل ، وأما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء ، لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره. فيبقى مع الأشياء دائما ، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة. ولو تصور غيبته لأنهدت السماوات والأرض ، ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت الأشياء. ولكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وحدانية خالقها ارتفع التفريق وخفي الطريق: إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير له تتشابه الأحوال في الشهادة له. فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراق ضيائه. فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره ، واحتجب عنهم لإشراق نوره. وربما لم يفهم أيضا كنه هذا الكلام بعض القاصرين ، فيفهم من قولنا)إن الله مع كل شيء كالنور مع الأشياء)أنه في كل مكان ؛ تعالى وتقدس عن النسبة إلى المكان. بل لعل الأبعد عن إثارة هذا الخيال أن نقول إنه قبل كل شيء ؛ وإنه فوق كل شيء ؛ وإنه مظهر كل شيء. والمظهر لا يفارق المظهر في معرفة صاحب البصيرة فهو الذي نعني بقولنا عنه مع كل شيء. ثم لا يخفى عليك أيضا أن المظهر وفوقه مع أنه معه بوجه: لكنه معه بوجه وقبله بوجه.فلا تظنن أنه متناقض ، واعتبر بالمحسوسات التي هي درجتك في العرفان ؛ وانظر كيف تكون حركة اليد مع حركة ظل اليد وقبلها أيضا.
ومن لم يتسع صدره لمعرفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم ، فلكل علم رجال ؛ وكل ميسر لما خلق له.
الفصل الثاني
في بيان مثال المشكاة والمصباح
والزجاجة والشجرة والزيت والنار