الرابع أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها ؛ بل قوالبها وصورها دون حقائقها. والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ويدرك حقائقها وأرواحها ، ويستنبط سببها وعلتها وغايتها وحكمتها ، وأنها من خلق ، وكيف خلق ، ولم خلق ، ومن كم معنى جمع وركب ، وعلى أي مرتبة في الوجود نزل ، وما نسبته إلى خالقها وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته ، إلى مباحث أُخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى.
الخامس أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن كثير من المحسوسات: إذ لا تدرك الأصوات والروائح والطعوم والحرارة والبرودة والقوى المدركة: أعني قوة السمع والبصر والشم والذوق ، بل الصفات الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذة والعشق والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعد ؛ فهو ضيق المجال مختصر المجرى لا تسعة مجاوزة الألوان والأشكال وهما أخس الموجودات: فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات ، والألوان والأشكال من أخس أعراضها.
فالموجودات كلها مجال العقل ؛ إذ يدرك هذه الموجودات التي عددناها وما لم نعدها ، وهو الأكثر: فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينا صادقا. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة ، والمعاني الخفية عنده جلية. فمن أين للعين الظاهرة مساماته ومجاراته في استحقاق اسم النور كلا إنها نور بالإضافة إلى غيرها لكنها ظلمة بالإضافة إليه. بل هي جاسوس من جواسيسه وكله بأخس خزائنه وهي خزانة الألوان والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ.
والحواس الخمس جواسيسه. وله في الباطن جواسيس سواها من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ ؛ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الخاص يستسخرهم ويتصرف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشد. وشرح ذلك يطول.وقد ذكرناه في كتاب)عجاب القلب(من كتاب الإحياء.