فاقنع بإشارات مختصرة وتلويحات موجزة ؛ فإن تحقيق القول فيه يستدعي تمهيد أصول وشرح فصول ليس يتسع الآن لها وقتى ، وليس ينصرف إليه همي وفكرتي. ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما يشاء. وإنما الذي ينفتح في الوقت فصول ثلاثة.
الفصل الأول
في بيان أن النور الحق هو الله تعالى
وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقة له
وبيانه بأن يعرف معنى النور بالوضع الأول عند العوام ، ثم بالوضع الثاني عند الخواص ، ثم بالوضع الثالث عند خواص الخواص. ثم تعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص وحقائقها لينكشف لك عند ظهور درجاتها أن الله تعالى هو النور الأعلى الأقصى ، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق الحقيقي وحده لا شريك له فيه.
أما الوضع الأول عند العامي فالنور يشير إلى ظهوره ، والظهور أمر إضافي: إذ يظهر الشيء لا محالة الإنسان ويبطن عن غيره: فيكون ظاهرا بالإضافة وباطنا بالإضافة. وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة. وأقوى الإدراكات وأجلاها عند العوام الحواس ، ومنها حاسة البصر.
والأشياء بالإضافة إلى الحس البصري ثلاثة أقسام: منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة.
ومنها ما يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب وجمرة النار إذا لم تكن مشتعلة.
ومنها ما يبصر بنفسه ويبصر به أيضا غيره كالشمس والقمر والسراج والنيران المشتعلة.
والنور اسم لهذا القسم الثالث. تم تارة يطلق على ما يفيض من الأجسام على ظاهر الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الأرض ونور السراج على الحائط والثوب. وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة لأنها أيضا في نفسها مستنيرة.
وعلى الجملة فالنور عبارة عما يبصر بنفسه ويبصر به غيره كالشمس. هذا حده وحقيقته بالوضع الأول.
دقيقة