أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغآء ...} إلى أنّ الإكراه يسقط التكليف عن الإنسان ، وبالتالي يبقى العبد غير مؤاخذ ، ويصبح الإثم على المُكْرِه . والإكراه إنما يحصل متى وجد التخويف بما يقتضي تلف النفس كالتهديد بالقتل ، أو بما يوجب تلف عضو من الأعضاء ، وأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة . فحال الإكراه على الزنى كحال الإكراه على (كلمة الكفر) ، وقد قال الله تعالى فيه {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} [النحل: 106] وقد ذكر بعض المفسرين أنّ الله تعالى إنما ذكر إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصوّر الإكراه ، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يُتصور إكراه وقال بعضهم: خرج مخرج الأغلب إذ الغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن .
والصحيح ما ذكرناه سابقاً أنّ المقصود به (التقبيح والتشنيع) على هذا المنكر الفظيع الذي كان يعمله أهل الجاهلية ، حيث كانوا يُكْرهو الفتيات على البغاء مع إرادتهن للتعفف .
واختلف العلماء فيمن أكره على الزنى من الرجال هل يرتفع عنه الحد كما يرتفع عن المرأة؟
فذهب الجمهور: إلى أنّ الإكراه يرفع الحد عن الرجل والمرأة ، ولقوله عليه السلام"رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما اسْتُكرهوا عليه".
وذهب (أبو حنيفة) إلى أنّ الرجل إذا أكره على الزنى فإنه يحد إلا إذا أكرهه سلطان وأما المرأة فلا حدّ عليها ، وحجّتُه في ذلك أنّ الإكراه ينافي الرضى ، وما وقع عن طوع ورضى فغير مكره عليه . ومعلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلفٍ على النفس ، والانتشارُ والشهوةُ ينافيهما الخوفُ والوجل . فلمّا وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال عُلِمَ أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرهاً خائفاً لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على ان فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد .