الرابعة عشرة: المكاتب إذا بيع للعتق رضاً منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئاً ، سواء باعه لعتق أو لغير عتق ، وليس ذلك كالسيد يؤدّي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها ، أو يضع عنه من آخره نَجماً أو ما شاء ؛ على ما أمر الله به في كتابه ، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بَرِيرة بإعطائها مما قبضوا شيئاً ، وإن كانوا قد باعوها للعتق.
الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة ؛ فقال ابن خُوَيْزِمَنْداد: صفتها أن يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال ، في كذا وكذا نجماً ، إذا أدّيته فأنت حر.
أو يقول له أدّ إليّ ألفاً في عشرة أنجم وأنت حر.
فيقول العبد قد قبلت ونحو ذلك من الألفاظ ؛ فمتى أداها عَتق.
وكذلك لو قال العبد كاتبني ، فقال السيد قد فعلت ، أو قد كاتبتك.
قال ابن العربي: وهذا لا يلزم ؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له ؛ فإن ذكره فحسن ، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه.
ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، وقد ذكرنا من أصوله جملة ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية.
السادسة عشرة: في ميراث المكاتب ؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالاً أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته ؛ لأن حكمهم كحكمه ، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالاً ، ولا يعتقون إلا بعتقه ، ولو أدّى عنهم ما رجع بذلك عليهم ؛ لأنهم يعتقون عليه ؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله.
والقول الثاني: أنه يؤدّى عنه من ماله جميع كتابته ، وجعل كأنه قد مات حراً ، ويرثه جميع ولده ، وسواء في ذلك من كان حرًّا قبل موته من ولده ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته ؛ لأنهم قد استووا في الحرية كلّهم حين تأدّت عنهم كتابتهم.