وقرأ عبد الله {يأتون} صفة للرجال والركبان {مِن كُلّ فَجّ} طريق {عَميِقٍ} بعيد.
قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان.
قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة.
قال: فأنتم جيران البيت؟ فقلت: أنت من أين جئت؟ قال: من مسيرة خمس سنوات وخرجت وأنا شاب فاكتهلت.
قلت: والله هذه الطاعة الجميلة والمحبة الصادقة فقال:
زر من هويت وإن شطت بك الدار...
وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنك بعدٌ عن زيارته...
إن المحب لمن يهواه زوّار
واللام في {لّيَشْهَدُواْ} ليحضروا متعلق ب {أذن} أو ب {يأتوك} {منافع لَهُمْ} نكرها لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادة ، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم ، أو بالمال كالزكاة ، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال وخلع الأسباب وقطيعة الأصحاب وهجر البلاد والأوطان وفرقة الأولاد والخلان ، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء.
فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده ، ولا يأكل إلا من زاده ، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة وركب بحر الوفاء لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده ، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده ، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه.
مطيباً بالحنوط ملففاً في كفن غير مخيط.