ويعطينا الحق سبحانه بعدها صورة توضيحية لعاقبة الشرك: {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ . .} [الحج: 31] .
خرَّ: يعني سقط من السماء لا يُمسكه شيء ، ومنه قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ . .} [النحل: 26] .
وفي الإنسان جمادية ؛ لأن قانون الجاذبية يتحكم فيه ، فإنْ صَعِد إلى أعلى لا بُدَّ أنْ يعود إلى الأرض بفعل هذه الجاذبية ، لا يملك أنْ يُمسِك نفسه مُعلَّقاً في الهواء ، فهذا أمر لا يملكه وخارج عن استطاعته ، وفي الإنسان نباتية تتمثل في النمو ، وفيه حيوانية تتمثل في الغرائز ، وفيه إنسانية تتمثل في العقل والتفكير والاختيار بين البدائل ، وبهذه كُرِّم عن سائر الأجناس .
وتلحظ أن (خرَّ) ترتبط بارتفاع بعيد {خَرَّ مِنَ السمآء . .} [الحج: 31] بحيث لا تستطيع قوة أنْ تحميه ، أو تمنعه لا بذاته ولا بغيره ، وقبل أنْ يصل إلى الأرض تتخطفه الطير ، فإنْ لم تتخطفه تهوي به الريح في مكان بعيد وتتلاعب به ، فهو هالك هالك لا محالةَ ، ولو كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية .
وعلى العاقل أنْ يتأمل مغزى هذا التصوير القرآني فيحذر هذا المصير ، فهذه حال مَنْ أشرك بالله ، فإنْ أخذتَ الصورة على أنها تشبيه حالة بحالة ، فها هي الصورة أمامك واضحة ، وإنْ أردتَ تفسيراً آخر يُوضِّح أجزاءها: فالسماء هي الإسلام ، والطير هي الشهوات ، والريح هي ريح الشيطان ، يتلاعب به هنا وهناك . فأيُّ ضياع بعد هذا؟ ومَنْ ذا الذي ينقذه من هذا المصير؟
ثم يقول سبحانه: {ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله . .}
{ذلك . .} [الحج: 32] كما قلنا في السابقة: إشارة إلى الكلام السابق الذي أصبح واضحاً معروفاً ، ونستأنف بعدها كلاماً جديداً تَنبَّه له .