ففي هذا الموقف حِكَم كثيرة ، قد لا يعلمها كثير من الناس ؛ لأن اليتيم فقد أباه وهو صغير ، ونظر فلم يَجِدْ له أباً ، في حين يتمتع رفاقه بأحضان آبائهم ، فإذا لم يجد هذا الصغير حناناً من كل الناس كأنهم آباؤه لتربّي عنده شعور بالسُّخْط على الله والاعتراض على القدر الذي حرمه دون غيره من حنان الأب ورعايته .
لذلك يريد الإسلام أن ينشأ اليتيم نشأة سويّة في المجتمع ، لا يسخط على الله ، ولا يسخط على الناس ؛ لأنهم جميعاً عاملوه كأنه ولد لهم .
وهناك ملحظ آخر: حين ترى مكانة اليتيم ، وكيف يرعاه المجتمع وينهض به يطمئن قلبك إنْ فاجأك الموت وأولادك صغار ، هذه مناعات يجعلها الإسلام في المجتمع: مناعة في نفس اليتيم ، ومناعة فيمَنْ يرعاه ويكفله .
وكفالة اليتيم وإكرامه لا بُدَّ أنْ تتم في إطار {حُنَفَآءَ للَّهِ . .} [الحج: 31] فيكون عملك لله خالصاً ، دون نظر إلى شيء آخر من متاع الدنيا ، كالذي يسعى للوصاية على اليتيم لينتفع بماله ، أو أن له مطمعاً في أمه . . إلخ فهذا عمله كالذي قُلْنا: (كسراب بقيعة) أو كرماد اشتدت به الريح أو كحجر أملس صَلْد لا ينبت شيئاً .
فإنْ حاول الإنسان إخلاص النية لله في مثل هذا العمل فإنه لا يأمن أنْ يخالطه شيء ، كما جاء في الحديث الشريف:"اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك".
الصفة الثانية التي وصف الله بها عباده المؤمنين: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . .} [الحج: 31] فالشرك أمر عظيم ؛ لأن الحق - تبارك وتعالى - كما قال في الحديث القدسي - أغنى الشركاء عن الشرك ، فكيف تلجأ إلى غير الله والله موجود؟
لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري ، تركته وشِرْكه".