والمعنى: الخير فِيَّ حصراً وفي أمتي نَثْراً ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع خصال الخير كله ، وخَصه الله بالكمال ، لكن مَنْ يُطيق الكمال المحمدي من أمته؟ لذلك نثر الله خصال الخير في جميع أمة محمد ، فأخذ كلّ واحد منهم صفةً من صفاته ، فكماله صلى الله عليه وسلم منثور في أمته: هذا كريم ، وهذا شجاع ، وهذا حليم . . إلخ .
ولما كان لأمة محمد هذا الدور كان هو خاتم الأنبياء ؛ لأن أمته ستؤدي رسالته من بعده ، فلا حاجة - إذن - لتدخل السماء برسالة جديدة إلى أن تقوم الساعة .
إذن نقول: الرسل لا تأتي إلا عند الاعوجاج ، يأتون هم لِيُقوِّموا هذا الاعوجاج ، ويميلون عنه إلى الاستقامة ، هذا معنى الحنيف أو {حُنَفَآءَ للَّهِ . .} [الحج: 31] .
وهذه الصفة هي مقياس الاستقامة على أوامر الله لا على أوامر البشر ، فنحن لا نضع لأنفسنا أسبابَ الكمال ثم نقول: ينبغي أن يكون كذا وكذا ، لا إنما الذي يضع أسباب الكمال للمخلوق هو الخالق .
والحق - سبحانه وتعالى - ليس مراده من الفعل أنْ يُفعل لذاته ولمجرد الفعل ، إنما مراده من الفعل أنْ يُفعل لأنه أمر به ، وقد أوضحنا هذه المسألة بالكافر الذي يفعل الخير وينفع الناس والمجتمع ، لكن ليس من منطلق الدين وأمر الله ، إنما من منطلق الإنسانية والمكانة الاجتماعية والمهابة والمنزلة بين الناس ، ومثل هذا لا يجحفه الله حَقه ، ولا يبخسه ثواب عمله ، يعطيه لكن في الدنيا عملاً بقول الله تعالى:
{إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] .
لكن لا حَظَّ لهؤلاء في ثواب الآخرة ؛ لأنهم عملوا للمجتمع وللناس وللمنزلة ، وقد أخذوا المقابل في الدنيا شُهْرة وصيتاً ذائعاً ، ومكانة وتخليداً .
وفي الحديث القدسي يقول الحق سبحانه لهم:"لقد فعلْتَ ليُقال وقد قيل"وانتهت المسألة .