ومن العجيب في شاهد الزور أنه أول ما يسقط من نظر الناس يسقط من نظر مَنْ شهد لصالحه ، فرغم أنه شَهِد لصالحك ، ورفع رأسك على خَصْمك لكن داستْ قدمك على كرامته وحقَّرته ، ولو تعرَّض للشهادة في قضية أخرى فأنت أول مَنْ تفضحه بأنه شهد زوراً لصالحك .
ثم يقول سبحانه: {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء . .}
اكتفتْ الآية بذكر صفتين فقط من صفات كثيرة على وجه الإجمال ، وهما حنفاء لله ، غير مشركين به ، وحنفاء: جمع حنيف ، مأخوذة من حنيف الرِّجل يعني: تقوُّسها وعدم استقامتها ، فيقال: فيه حَنَف أي: ميْل عن الاستقامة ، وليس الوصف هنا بأنهم مُعْوجون ، إنما المراد أن الاعوجاج عن الاعوجاج استقامة .
لذلك وُصِف إبراهيم - عليه السلام - بأنه {كَانَ حَنِيفاً . .} [آل عمران: 67] يعني: مائلاً عن عبادة الأصنام .
وقلنا: إن السماء لا تتدخَّل برسالة جديدة إلا حين يَعمُّ الفسادُ القومَ ، ويستشري بينهم الضلال ، وتنعدم أسباب الهداية ، حيث لا واعظَ للإنسان لا من نفسه وضميره ، ولا من دينه ، ولا من مجتمعه وبيئته ؛ ذلك لأن في النفس البشرية مناعةً للحق طبيعية ، لكن تطمسها الشهوات ، فإذا عُدِم هذا الواعظ وهذه المناعة في المجتمع تدخَّلَتْ السماء بنبي جديد ، ورسالة جديدة ، وإنذار جديد ؛ لأن الفساد عَمَّ الجميع ، ولم يَعُدْ أحد يعِظُ الآخر ويهديه .
وهذا المعنى الذي قال الله فيه: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]
ومن هنا شهد الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها خير أمة أُخرِجَتْ للناس ؛ لأن المناعة للحق فيها قائمة ، ولها واعظ من نفسها يأمر بالخير ، ويأخذ على يد المنحرف حتى يستقيم ؛ لذلك قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:"الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".