{إنّ هذا القرآن} أي: الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس {يهدي للتي} أي: إلى الطريق التي {هي أقوم} أي: أصوب من كل طريق فقوله تعالى: {للتي هي أقوم} نعت لموصوف محذوف كما تقرّر ويصح أن يقدّر الملة والشريعة أي: يهدي إلى الملة والشريعة التي هي أقوم الملل والشرائع ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون ،)
وقيل إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله. تنبيه: لفظ افعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا الله أكبر أي: الله الكبير وكقولنا الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، فأقوم يحتمل أن يكون كذلك وأن يبقى على ظاهره. الصفة الثانية قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين} أي: الراسخين في هذا الوصف ولهذا قيدهم بياناً لهم بقوله: {الذين} أي: يصدّقون إيمانهم بأنهم {يعملون} أي: على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم {الصالحات} من التقوى والإحسان {أنّ لهم أجراً كبيراً} هو الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة والباقون بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشدّدة. فإن قيل: قال هنا {أجراً كبيراً} وفي الكهف {أجراً حسناً} (الكهف ،)
أجيب: بوقوع ذلك لموافقة الفواصل قبل وبعد في كل منهما. الصفة الثالثة قوله تعالى:
{وأنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا} أي: أحضرنا وهيأنا {لهم عذاباً أليماً} وهو النار في الآخرة وهو عطف على أنّ لهم أجراً كبيراً ، والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، نظيره قولك بشرت زيداً بأنه سيعطى وبأنّ عدوّه سيمنع. فإن قيل: كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب ؟
أجيب: بأنّ هذا مذكور على سبيل التهكم أو أنه من باب إطلاق أحد الضدّين على الآخر كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى ،)