وقوله فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه إلى قوله علم الغيب ، فنقول: حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه ، ومنه ما مثل به في قوله أمرته فقام وأمرته فقرأ ، وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضده أو نقيضه فمن ذلك قوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} قالوا: تقديره ما سكن وما تحرك.
وقوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر} قالوا: الحر والبرد.
وقول الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضاً ...
أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا أبتغيه ...
أم الشر الذي هو يبتغيني
تقديره: أريد الخير وأجتنب الشر ، وتقول: أمرته فلم يحسن فليس المعنى أمرته بعدم الإحسان فلم يحسن ، بل المعنى أمرته بالإحسان فلم يحسن ، وهذه الآية من هذا القبيل يستدل على حذف النقيض بإثبات نقيضه ، ودلالة النقيض على النقيض كدلالة النظير على النظير ، وكذلك أمرته فأساء إليّ ليس المعنى أمرته بالإساءة فأساء إليّ ، إنما يفهم منه أمرته بالإحسان فأساء إليّ.
وقوله ولا يلزم هذا قولهم أمرته فعصاني.
نقول: بل يلزم ، وقوله لأن ذلك مناف أي لأن العصيان مناف وهو كلام صحيح.
وقوله: فكان المأمور به غير مدلول عليه ولا منوي هذا لا يسلم بل هو مدلول عليه ومنوي لا دلالة الموافق بل دلالة المناقض كما بينا.
وأما قوله: لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأموراً به هذا أيضاً لا يسلم.
وقوله في جواب السؤال لأن قوله {ففسقوا} يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئاً وأنت تدّعي إضمار خلافه.
قلنا: نعم يدعي إضمار خلافه ودل على ذلك نقيضه.
وقوله: ونظير أمر شاء في أن مفعوله استفاض فيه الحذف.
قلت: ليس نظيره لأن مفعول أمر لم يستفض فيه الحذف لدلالة ما بعده عليه ، بل لا يكاد يستعمل مثل شاء محذوفاً مفعوله لدلالة ما بعده عليه ، وأكثر استعماله مثبت المفعول لانتفاء الدلالة على حذفه.