وليس عجباً أن يكون الكشاف كذلك وهو أول كتاب فِي التفسير كشف لنا على سر بلاغة القرآن، وأبان لنا عن وجوه إعجازه، وأوضح لنا عن دقة المعنى الذي يُفهم من التركيب اللفظى. كل هذا فِي قالب أدبى رائع، وصوغ إنشائى بديع، لا يتفق لغير الزمخشري، إمام اللُّغة وسلطان المفسِّرين. وإذا كان الزمخشري قد تأثر فِي تفسيره بعقيدته الاعتزالية فمال بالألفاظ القرآنية إلى المعاني التي تشهد لمذهبه، أو تأوَّلها بحيث لا يتنافى معه على الأقل، فإنه فِي محاولاته هذه قد برهن بحق على براعته وقوة ذهنه، وصوَّر لنا مقدار ما كان من التأثر بين التفسير وهوى العقيدة، وما كان لنا بعد هذا كله أن نغض الطرف عن هذا التفسير، تأثراً بمذهبنا السُّنِّى، وكراهة لمذهب المعتزلة، وبخاصة بعد ما هو ثابت وواقع من ثناء كثير من علماء أهل السُّنَّة عليه - فيما عدا ناحيته الاعتزالية - واعتماد معظم مفسِّريهم عليه وأخذهم منه. فالكشاف - والحق يقال - قد بلغ فِي نجاحه مبلغاً عظيماً، ليس فقط لأنه لا يمكن الاستغناء عنه فِي بيان الأقوال الكثيرة لقدماء المعتزلة، بل لأنه استطاع أيضاً أن يكون معتَرفاً به من الأصدقاء والخصوم على السواء ككتاب أساسى للتفسير، وأن يأخذ طابعاً شعبياً يغرى الكل ويتسع للجميع.
وكما اعتبرنا تفسير الطبري ممثلاً للقمة العالية فِي التفسير بالمأثور فأطنبنا فِي وصفه وأطلنا الكلام عليه، فهنا كذلك سنعتبر الكشاف للزمخشري القمة العالية للتفسير الاعتزالى، لأنه الكتاب الوحيد من تفاسير المعتزلة التذى وصل إلينا متناولاً للقرآن كله. وشاملاً للأفكار الاعتزالية التي تتصل بالقرآن الكريم باعتباره أصل العقيدة ومعتمد ما يتشعب عنها من آراء وأفكار، ولهذا أرانى مضطراً إلى الإطناب والإفاضة فِي كلامى عن هذا التفسير، ودراستى له من جميع نواحيه بمقدار ما يفتح الله.