ومندوباتِ الشريعةِ ، فإنْ بلغتِ المحبةُ إلى تقديمِ المندوباتِ على دواعِي
النفسِ ، كان ذلكَ علامةُ كمالِ الإيمانِ ، وبلوغِهِ إلى درجةِ المقربينَ المحبوبين.
المتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ.
وإنْ لم تبلغْ هذه المحبةُ هذه الدرجةِ ، فهي درجةُ المقتصدينَ ، أصحابِ
اليمينِ ، الذين كملتْ محبتُهم الواجبةُ ، ولم يزيدوا عليها.
وأما محبةُ الرسولِ ، فتنشأ عن معرفتِهِ ومعرفةِ كمالِهِ وأوصافِهِ وعظم ما
جاءَ به ، وينشأُ ذلكَ من معرفةِ مرسلِهِ وعظمتِهِ ، كما سبقَ ، فإنَّ محبةَ اللَّهِ لا
تتمُّ إلا بطاعتِه ، ولا سبيلَ إلى طاعتِهِ إلا بمتابعةِ رسولِهِ ، كما قال تعالى:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .
ومحبةُ الرسولِ على درجتينِ - أيضًا:
إحداهُما: فرضٌ ، وهي ما اقتضى طاعتَه في امتثالِ ما أمرَ به من الواجباتِ.
والانتهاءِ عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ ، وتصديقِهِ فيما أخبرَ به من المخبراتِ.
والرضا بذلك ، وأن لا يجدَ في نفسِهِ حرجًا مما جاءَ بهِ ، ويسلِّمَ له تسليمًا.
وأن لا يتلقَّى الهُدى من غيرِ مشكاتِهِ ، ولا يطلبُ شيئا من الخيرِ إلا ما جاء
الدرجة الثانية: فضل مندوب إليه ، وهي ما ارتقى بعدَ ذلكَ إلى اتَباع سنتِهِ
وآدابِهِ وأخْلاقِهِ ، والاقتداءِ به في هديه وسمتِهِ ، وحسنِ معاشرتِهِ لأهلِهِ
وإخوانِهِ ، وفي التخلقِ بأخلاقِهِ الظاهرةِ في الزهد في الدنيا ، والرغبةِ في
الآخرةِ ، وفي جُودِهِ وإيثاره وصفْحِهِ وحِلْمِهِ واحتمالِهِ وتواضعهِ.
وفي أخلاقِهِ الباطنةِ ، من كمالِ خشيتِهِ للَّهِ ، ومحبتِهِ له ، وشوقِهِ إلى لقائهِ.
ورضاه بقضائِهِ ، وتعلقِ قلبه به دائمًا ، وصدقِ الالتجاءِ إليه ، والتوكلِ
والاعتمادِ عليه ، وقطع تعلُّقِ القلبِ بالأسبابِ كلِّها ، ودوامِ لَهَج القلبِ