{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ} (119) [التوبة: 119] يقال:
إن أبا بكر - رضي الله عنه - يوم السقيفة لما طلبت الأنصار الإمرة استدل عليهم بهذه الآية. وتقريره: إننا نحن الصادقون وقد أمرتم أن تكونوا مع الصادقين، فأنتم أمرتم أن تكونوا معنا؛ فتكونون تبعا لنا.
أما الأولى/ [219/ل] فلقوله عز وجل في سورة الحشر في صفة المهاجرين:
{لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} (8) [الحشر: 8] .
وأما الثانية/فلهذه الآية.
واعترض على هذا الاستدلال بوجوه: أحدها: لا نسلم أن الصدق وصف خاص بالمهاجرين، بل هو وصف عام للصحابة وغيرهم من أهل التقوى: إذ كل متق صادق، لقوله - عز وجل: {*لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ} [البقرة: 177] .
فذكر خصال التقوى، ثم قال: {أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] . وقال - عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (23) [الأحزاب:
23]وكان أكثرهم من الأنصار يوم أحد.
الوجه الثاني: أن المأمور بالكون مع الصادقين هم عموم الذين آمنوا من المهاجرين والأنصار، فلو صح الاستدلال المذكور للزم إما اختصاص الأنصار بالإيمان دون المهاجرين أو أمر المهاجرين بأن يكونوا مع أنفسهم، وكلاهما محال.