ومن طريف ما يحتجون به في تجريد الإيمان واستكماله بالقول وإيجاب الجنة به موت من أمر بها وحدها عليها قبل تفرض الفرائض على غيره فيقال لهم: ويحكم كيف لا يكون مستكمل شيء واحد من جاء به ، أم كيف لا يستوجب الجنة من وعدها على ذلك الشيء الواحد ، حتى تجعلوه ذريعة إلى استكمال إيمان الخليقة بعده ، وقد أمروا بأكثر مما أمر وفرض عليهم ما لم يفرض عليه. أكانت كلمة الإخلاص مفروضة على ذلك والصلاة والزكاة وغيرها غير مفروضة على هؤلاء ، حتى تسموا ايتماره في الكلمة إيمانا وايتمار هؤلاء في الصلاة والزكاة غير إيمان ، إن هذا لغفلة بينه ، أو مكابرة مفرطة ، وهل يشك عاقل أن الإيمان ليس بصورة مصورة يستوي الجميع فيها ، وأنه مصدر حادث من حدث محدث ، مأمور به ، فلما كانت الأحداث مفرقة في جسد المحدث الأمور فمنها نطق ، ومنها إضمار ، ومنها تحريك جارحة كان من أمر بإحداث النطق والإضمار دون تحريك الجوارح ، فأحدث
في وقته مؤمنا ، وكان حدثه وهو النطق الذي أحدثه بلسانه وأضمر القلب على تصديقه إيمانا ليس عليه غيره ، وكان قد أكمل ما أمر به ، فلما أمر غيره بمثل ما أمر به وأضيف إليه سواه من إحداث حركة الجوارح لم يقدر أن يحدث إحداث الجوارح باللسان والقلب ، فأحدثها بجوارحه مؤتمرا لله - جل وتعالى - كما ائتمر له الأول.