إنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتحرون الصحة فيما يتحملون ، وكان الواحد منهم لا يروى حديثاً إلا وهو متثبت مما يقول ، ولكن لم يُعرفق عن الصحابة أهم كانوا يسألون عن الإسناد ، لما عُرفوا به جميعاً من العدالة والأمانة. وإذا كان الأمر قد وصل ببعضهم إلى أنه كان لا يقبل الحديث إلا بعد أن تثبت عنده صحته بالشهادة أو اليمين كما دلَّت على ذلك الآثار الكثيرة ، فإن الغرض من ذلك هو زيادة التأكد والتثبت ، لا عدم الثقة بمن يروون عنه منهم ، فقد روى أن عمر قال لأُبَيِّ بن كعب - وقد روى له حديثاً - لتأتيننى على ما تقول ببيِّنة ، فخرج فإذا ناس من الأنصار فذكر لهم ، قالوا: قد سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر: أما إنى لم أتهمك ، ولكن أحببت أن أتثبت"."
ثم جاء عصر التابعين ، وفيه ظهر الوضع وفشا الكذب ، فكانوا لا يقبلون حديثاً إلا إذا جاء بسنده ، وتثبتت لهم عدالة رواته ، أما إن حُذِف السند ، أو ذُكِر وكان فِي رواته مَنْ لا يُوثق بحديثه ، فإنهم كانوا لا يقبلون الحديث الذي هذا شأنه ، فقد روى الإمام مسلم فِي مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم".
ظل الأمر فِي عهد التابعين على هذا ، فكان ما يرووهنه من التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ، لا يروونه إلا بإسناده ، ثم جاء بعد عصر التابعين مَن جمَّعَ التفسير ، ودَوَّن ما تجمَّع لديه من ذلك ، فأُلِّفت تفاسير تجمع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فِي التفسير ، وأقوال الصحابة والتابعين ، مع ذكر الأسانيد ، كتفسير سفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وغيرهما ممن تقدَّم ذكرهم.