و {مُرْسَاهَا} مبتدأ، وخبره {أَيَّانَ} ، ومحل الجملة النصب لكونها معمول مدلول السؤال، أي يسألونك عنها قائلين: متى إرساؤها؟ أو وقت إرسائها؟ أي إثباتها، من أرسى السفينة، إذا أثبتها، ومنه الجبال الراسيات، أي الثابتات، وهو مُفعَلٌ، مصدر بمعنى الإِفعال، كالمدخل والمخرج بمعنى الإِدخال والإِخراج.
والمعنى: متى يرسيها الله؟ وقيل: محلها الجر على البدل من {السَّاعَةِ} ، كأنه قيل: يسألونك عن وقت حلول الساعة.
وقوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} ابتداء وخبر، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: علم وقت إرسائها عنده، قد استأثر به، لم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه.
وقوله: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} يقال: جلَّى الشيء، إذا كشفه وأظهره فانجلى هو.
وقوله: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فيه وجهان:
أحدهما: ثقلت على أهل السماوات والأرض، أي: تثقل عند وجودها لعظمها وشدة أهوالها.
والثاني: ثقل علمها عليهم، ولا أثقل من الساعة، وكفاه دليلًا {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
وقوله: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} (بغتة) مصدر في موضع الحال من المستكن في {لَا تَأْتِيكُمْ} ، أو من المخاطبين، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب نظيرها في غير موضع.
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} (عنها) يحتمل أن يكون من صلة السؤال على التقديم والتأخير، و (عن) على بابها، ومعمول {حَفِيٌّ} محذوف حذف للعلم به، والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بها، أي عالم بها أو بهم، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
والحفي: العالم الذي يتعلم الشيء باستقصاء، يقال: أحفى فلان في المسألة، إذا ألحّ فيها وبالغ.
وحفِي بفلان يحفَى، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حفاوة، وتحفَّى به، إذ بالغ في البِرِّ به، والحفيُّ أيضًا: المستقصي في السؤال، قال الأعشى:
241 -فإنْ تَسْأَلي عنِّي فيا رُبَّ سَائلٍ ... حَفِيٍّ عن الأَعشَى به حيث أَصْعَدا
أي: يسألونك عنها كأنك أكثرت السؤال عنها حتى علمتها.
وقيل: إنَّ قريشًا قالوا: إنَّ بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟