ومن ذلك قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان: 49) أي: الذليل المهان أن السياق يدل على ذلك، فقد استعيرت العزة والكرامة للذلة والمهانة، استعارة عنادية تهكمية. من ذلك قوله تعالى أيضًا في حق شعيب حين قال له قومه {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (هود: 87) أي: السفيه الغوي، وفيها ما في سابقتها، إلى غير ذلك مما مر بنا من الشواهد.
من العنادية التمليحية قولنا للبخيل في مقام المزاح والمداعبة: من يجهل أن جودك عم الورى، من يجهل أن جودك عم الورى: فقد استعير الجود للبخل بجامع الإفاضة بالخير في كلٍّ، وذلك بتنزيل التضاد الحاصل بينهما منزلة التناسب، فالإفاضة موجودة في المستعار منه على وجه التحقيق، وموجودة في المستعار له تنزيلًا، من ذلك قول أبي تمام:
أنبئت عتبة يعوي كي أشاتمه ... الله أكبر أنَّى استأسد الأسد
ما كنت أحسب أن الدهر يمهلني ... حتى أرى أحدًا يهجوه لا أحد
فقد استعار الأسد للجبان استعارة عنادية تمليحية؛ إذ الجامع وهو الشجاعة موجودة في الأسد حقيقة وفي الجبان تنزيلًا. من ذلك أيضًا قول الآخر:
سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقفٌ عليه الهزائم
فقد استعار الهزائم للانتصارات استعارة عنادية تمليحية؛ إذ مراد الشاعر أن سليمان لا يحزم أمرًا، ولا يحرز نصرًا، ولا يتحقق على يديه أدنى خير.
كذلك لو تأملنا قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام: 122) فنجد أن هذه الآية من الشواهد المشهورة، وفيها نرى أن المراد بالميت الضال فقد شُبِّه به واستعير له، كما أن المراد بأحييناه هديناه، فالآية إذن تذكر حالين أو مرحلتين من مراحل حياة الإنسان؛ المرحلة الأولى: كان فيها ميتًا وهو في الثانية حي، والواقع أن هذا الإنسان كان حيًّا في الحالين، حياة بمعناها المتعارف، ولكنه لما كان منطفئ الفطرة معطل الإدراك جعل مُيتًا، وكأن غاية الحياة إنما هي في استدامة الفطرة، وسلامة النظر الراشد إلى معرفة الحق والخير. الموت هنا له مفهوم جديد، ربما كان انغماس النفس في ظلمة الحيوانية وبقاء الروح مكفوفة الإدراك، تخبط في الأرض من غير غاية نبيلة تسعى إليها؛ لتسعد بها سعادة أبدية. واضح أن الحياة في هذه المرحلة حياة وموت معًا؛ لأنه يحيا ويتقلب كما يتقلب كل حي، ولكن هنا معنى قلبي ينقصه، فَسُلِب معنى الحياة من هذه الحياة.