والضلال أيضًا له مفهوم جديد في هذه الآية وبهذه الاستعارة؛ لأنه لم يعد ضلالًا وإنما صار موتًا، كما أن الموت له أيضًا مفهوم جديد؛ لأنه ليس إبطالًا للأحوال الجسمية، وإنما هو إبطال للطاقات الروحية، وكذلك الاستعارة في"أحييناه"ليست الحياة فيها هي الحياة المألوفة وإنما هي الهداية التي صارت بدورها حياة، أو ضربًا من الحياة غير مألوف؛ لأنها تعني خلوص النفس مما يثقل نهوضها السامي، الذي تهتف به فطرتها الطاهرة النازعة نزوعًا دائمًا إلى الحق والمثل الأعلى.
الاستعارة هنا جددت معاني الكلمات وأثرتها، وأفرغت فيها فكرًا جديدًا وحِسًّا جديدًا، صرنا نرى حياة ولكنها ليست حياة بالمعنى المتداول، ونرى هداية ولكنها ليست هداية بالمعنى المتداول أيضًا، وكأننا أمام حقيقة ثالثة ليست المستعار منه ولا المستعار له، أعني: ليست الطرفين اللذين زاوجنا بينهما وإنما هي شيء ثالث ولده هذا التزاوج والتداخل، الذي أدمج المستعار له في المستعار منه، ولكنه لم يشكله تشكيلًا كاملًا في صورة المستعار منه وإنما بقي بين بين.
ولعل السكاكي أحس بهذا حين زعم أن معنى"فردًا"غير متعارف هو الهداية التي صارت حياة أو الحياة التي هي هداية، وكانت هذه الفكرة ترِد في كلام عبد القاهر على درجة بينة من الوضوح في مثل قوله: إننا في الاستعارة نتوهم واحدًا من الأسود قد استبدل بصورة إنسان.
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ... (125) }
فقد قابلت الآية بين الهداية وشرح الصدر، وبين الضلال وضيق الصدر، والآية تعزية وتسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يلاقيه من عناد الكفار وغرورهم، فهي إخبار من الله لرسوله ألا يهتم بأمرهم ولا يحزن عليهم، فالأمر كله لله، فمن أراد هدايته للحق وتوفيقه للخير فإنه يشرح للإسلام صدره، ويوسّع للقرآن قلبه، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره.
وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شرح الصدر فقال: (( هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح، فقالوا: فهل لذلك من أَمارة يعرف بها؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) ).