ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] ، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في أمره، فوجدوا مولوداً من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن الولد سرُّ أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلَّت لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً، ثم اعلم أن أمة محمداً صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار قابلاً بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين