وروى خصاله بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك} [المائدة: 60] ، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقاً لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولاً عن صراط سوى الطريقة، محجوباً عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] ، ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] ؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم {َأُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} [المائدة: 60] ؛ يعني: من هؤلاء {وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] ؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكاناً منهم كما قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] ، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى: {َأُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] ، وذلك لأن من أعمالهم أنهم {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} [المائدة: 61] ، بالنفاق {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ} [المائدة: 61] ، لا بالإيمان {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} [المائدة: 61] ؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61] ؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق وَتَرَى