ثم أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها بقوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30] ؛ لأن النفس أعد أعداء القلب {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] ، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية الإنسان؛ لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 1 - 2] ، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] ، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث غراباً أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما يبعث الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} [المائدة: 31] ، ومنها أن الله تعالى في كل حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف أسباب تجليه {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] .