ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} [المائدة: 8] ، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، {شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8] ، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُوا} [المائدة: 8] ، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى العداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية.
{اعْدِلُوا} [المائدة: 8] ، هذا أيضاً من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه {وََاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 8] ، أي: اتقوا بالله عن غير الله {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] ، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله.