وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا} [المائدة: 83] ، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] ، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285] .
وكان إيمان موسى عليه السلام نوعاً من هذا، {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، فقال علي: رضي الله عنه"لم أعبد ربّاً لم أره"قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقاً ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، {إِذَا قُمْتُمْ} من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، {إِلَى الصَّلاةِ} هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] .
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ، ببذل نفوسكم، {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم.