خلقاها فصح أنهم اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلَّيْن، ولم يتخذوه تعالى إلها في حق ذلك البعض، فقد أبعد عن الحق بمراحِلَ، وأما من تعمق فقال: إن عبادته تعالى مع عبادة غيره كلا عبادةٍ، فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما، ومن لم يعبُده تعالى فقد غفَل عما يُجْديه واشتغل بما لا يَعْنيه كدأب مَنْ قبلةَ، فإن توبيخهم إنما يحصُل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً، لا بما يلزَمُه بضربٍ من التأويل، وإظهارُ الاسم الجليل لكونه في حيِّز القولِ المُسند إلى عيسى عليه السلام.
{قَالَ} استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل: فماذا يقول عيسى عليه السلام حينئذ؟ فقيل: يقول، وإيثارُ صيغة الماضي لما مرّ مراراً {سبحانك} (سبحان) عَلمٌ للتسبيح، وانتصابُه على المصدرية، ولا يكاد يُذْكر ناصبُه، وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق، من السَّبْح الذي هو الذهاب والإبعادُ في الأرض، ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصةً، المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن، ومن جهة إقامته مُقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى، أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن أقول ذلك أو من أن يقالَ في حقك ذلك، وأما تقديرُ من أن يكونَ لك شريكٌ في الألوهية فلا يساعده سِياقُ النظم الكريم وسياقُه، وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ} استئنافٌ مقرِّر للتنزيه ومبين للمُنَزَّه منه، و (ما) عبارة عن القول المذكور، أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحِقّ لي أن أقوله، وإيثارُ ليس على الفعل المنفيِّ لظهور دلالتِه على استمرار انتفاءِ الحقية وإفادةِ التأكيد بما في حيزه من الباء، فإن اسمه ضميرُه العائد إلى (ما) ، وخبرَه (بحق) والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سُقياً لك أو نحوه.
وقوله تعالى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} استئناف مقرِّرٌ لعدم صدور القولِ المذكور عنه عليه السلام بالطريق البرهاني، فإن صدورَه عنه مستلزِمٌ لعلمه تعالى به قطعاً، فحيثُ انتفى علمُه تعالى به انتفى صدورُه عنه حتماً ضرورةَ أن عدمَ اللازم مستلزِمٌ لعدم الملزوم. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 3 صـ}