وقرئ {علام الغيوب} بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله {أنت} أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء ، ثم نصب {علام الغيوب} على الاختصاص أو على النداء . ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى عليه السلام واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم ، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله ، سبحانه باتخاذ الصاحبة والولد . وموضع {إذ قال} رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار"اذكر"، أو هو بدل من {يوم يجمع} وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم ، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا . ومحل {يا عيسى} مضموم على أنه منادى مفرد معرفة ، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال {نعمتي عليك} أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس . وإنما قال: {وعلى والدتك} لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه ، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق . {إذ أيدتك} بدل {من نعمتي} أي قوّيتك {بروح القدس} أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له ، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة {تكلم الناس} حكاية حال ماضية {في المهد وكهلاً} في هاتين الحالتين من غير تفاوت {وإذ علمتك الكتاب} الخط أو جنس الكتب {والحكمة} النظرية والعلمية {والتوراة والإنجيل} يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة {فتنفخ فيها} الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء ، وكذلك الضمير في {فتكون} والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران ، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة .