وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلَانِ: دَلِيلُ تَحْلِيلٍ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمٍ، فَغَلَّبْنَا دَلِيلَ التَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا؛ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَا أَخْرَجَ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ مِنْ الْبَحْرِ يُخَمَّسُ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ شَبِيهُ الْبَرِّ وَقَسِيمُهُ وَنَظِيرُهُ؛ إذْ الدُّنْيَا بَرٌّ وَبَحْرٌ، فَنَقُولُ: فَائِدَةُ أُخْرِجَتْ مِنْ الْبَاطِنِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ، أَوْ لِأَنَّهُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ حَقُّ اللَّهِ فِيمَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ.
وَالتَّعْلِيلُ لِلْبَحْرِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:"لَا زَكَاةَ فِي الْعَنْبَرِ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَقْذِفُهُ الْبَحْرُ"وَلِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَحْرِ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ أَصْلُهُ السَّمَكُ.
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَتَجْرِي فِيهِ الْغَنِيمَةُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحِ الْمُطْلَقِ، كَالصَّيْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي ذَهَبٍ يُوجَدُ فِي الْبَحْرِ؟ قُلْنَا: لَا رِوَايَةَ فِيهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلذَّهَبِ، فَوُجُودُهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّيُولَ قَذَفَتْهُ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَحْتَمِلُ أَلَّا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ فِي الْبَحْرِ جِبَالًا لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ}