أي مما تختلف فيه أهواؤكم . وسُئل الإمام محمد عبده ، وهو في باريس: أنتم تقولون {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} فكم رغيفاً في أردب الدقيق؟ . فقال: انتظروا: واستدعى خبازاً وسأله: كم رغيفا في أردب القمح؟ . فقال له: كذا رغيف . فقالوا له: أنت تقول إنه في الكتاب . فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]
إن قوله: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض . فربنا هو - سبحانه - جعل أناساً تتخصص في الموضوعات المختلفة .
{قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} يعني: يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفي مسألة العقيدة في الأرض وننهي الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعاً ، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]
انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين: فلم يجئ الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديداً ؛ لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة ، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة ، فلم يطبع الإنسان في قالب ، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث .
ويقول الحق: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} [المائدة: 54]
أي لا تقل إنّه طبع المؤمن على أن يكون ذليلاً ولا طبعه ليكون عزيزاً ، بل طبعه ليكيّف نفسه التكييف الذي يتطلبه المقام ، فيكون مرة ذليلاً للمؤمن وعزيزاً على الكافر . وقال الإسلام لنا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143]