لكن الخالق الأعلى لا تطوله ولا تتناوله أمور الهوى . ولذلك يقول سبحانه: {والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان} [الرحمن: 7]
فلا السماء تنطبق على الأرض ، ولا كوكب يزاحم كوكبا آخر . ويبين لنا الحق كيفية السير بنظام الكون: {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان} [الرحمن: 8]
فإن أردتم أن تكون حركتكم منتظمة فانظروا إلى ما لأيديكم دخل فيه واصنعوه كصنع الله فيما ليس لأيديكم مدخل فيه . {وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} [الرحمن: 9]
فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام دقيق . وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج ب"افعل كذا ولا تفعل كذا"فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج ، وتصرفت في حياتك بمنهج الله ويكون الميزان معتدلاً . إذن فقد أعطانا الحق معطيات عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى الإيمان . وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق ؛ لأن الإنسان طرأ عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان . ولا أحد من البشر يدعي أنه صنع هذا الكون .
إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق ، والدعوى حين تسلم من الضعف ، أتكون صادقة أم غير صادقة؟ تكون صادقة تماما . والله هو الذي قال إنه خلق السماء والأرض والكون . ولم يأت مدعٍ آخر يقول لنا: إنه الذي خلق . إذن يثبت الأمر لله إلى أن يوجد مدعٍ . ومع توالي الأزمنة وتطاولها لم يدع ذلك أحد .
وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشري أن يفكر ويقدح الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون ، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ليحل له هذا اللغز .