وهذا التأويل الباطل لا يسوغ مع تصور العقيدة المسيحية إلا إذا كانت موافقة
لكل ما جاء به الوحي قبل المسيح وبعده بحيث يكون الغرض من هذا التأويل هو
التوفيق بقدر الإمكان بين كتب مختلفة يناقض بعضها بعضًا مثل التوراة والمزامير
والأناجيل والرسائل والأعمال وسائر الكتب المعتبرة مقدسة.
ومن البديهي أنه إذا كان المبدأ بهذه الصفة لا يجوز لإنسان أن يطمع في
إدراك تعليم المسيح كما ينبغي. وهذا المبدأ الفاسد هو الذي أوجب تعدد الآراء
واختلافها الكثير في حقيقة معنى الأناجيل. إذ لا يخفى أنه يمكن حدوث عدد غير
محدود من أمثال هذه التأويلات التي لا يقصد منها البحث عن الحقيقة، بل توفيق
النقيضين اللذين لا يتفقان وهما العهد القديم والعهد الجديد. وفي الحقيقة أن هذه
التفاسير لا تدخل تحت حصر ولأجل إظهار هذه التفاسير في مظهر يشابه الحقيقة
اضطر أصحابها إلى الالتجاء إلى وسائل خارجية مثل الخوارق ونزول الروح
القدس عليهم ونحو ذلك.
وقد اجتهد كل واحد منهم - ولا يزال يجتهد - في التوفيق على ما يراه ثم ترى
كلاً منهم يدعي بأن توفيقه هو آخر وحي صادر عن الروح القدس. مثال ذلك ما جاء
في رسائل بولس وفي قرارات المجامع التي تبتدئ بهذه العبارة:(قد وافقنا ووافق
الروح القدس)ومثال ذلك أيضًا الأوامر الصادرة عن الباباوات وعن المجامع
المقدسة للأرثوذكسيين والبولسيين وكل هؤلاء المفسرين الكاذبين في دعوى بيان فكر
المسيح. فكلهم يلتجئون إلى هذه الرسائل الشاذة المستنكرة لتأييد صحة ما يذهبون
إليه من التوفيق، فهم يجزمون بأن هذا التوفيق ليس من نتائج أفكارهم الشخصية
وإنما هو شهادة صادرة عن الروح القدس مباشرة.
ولسنا نحاول البحث والتنقيب في هذه الديانات المتنوعة التي يزعم أصحاب
كل واحدة منها أنها هي الحق دون سواها ولكننا نقول بأننا نرى مع ذلك أنها كلها